السعيد شنوقة
143
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
في ثبوت الرؤية له في أي وقت من الأوقات نقصا وذما . فهم قالوا بأن سياق الآية اقتضى ذلك ، وكذلك ما قبلها وما بعدها لأن جميعه في مدائح الله تعالى « 1 » . وهكذا فالله جل جلاله لما وضع تميّزه عما عداه من الأجناس بنفي الصاحبة والولد بيّن أنه يتميز عن غيره من الذوات بأن لا يرى ويرى . وذكروا أنّ الأمة أجمعت على ورود الآية مورد التمدّح بأن الله تعالى لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة ، ومنهم القائل إن التمدح هو بأن لا يرى بهذه الحواس ، ويجوز أن يرى بحاسة أخرى . وجعلوا التمدح يقع والله يرى ولا يرى ولا يمتنع في الشيء أن لا يكون مدحا ثم يصير مدحا بانضمام شيء آخر إليه . وهكذا فلا مدح في نفي الصاحبة والولد مجردا ثم إذا انضم إليه كونه حيا لا آفة به صار مدحا ، فلا مدح في أن لا أول له لأنّ المعدومات تشاركه في ذلك ثم يصير مدحا بانضمام شيء آخر إليه ؛ وهو كونه قادرا ، عالما ، حيا ، سميعا ، بصيرا ، موجودا . ومحصّل ما سبق أن فكرة المدح ترتبط بتباين ذات الله تعالى عن ذوات البشر ، ولا تعدو أن تكون سوى تنزيه الله سبحانه عن صفات النقص البشرية وتأكيد صفات الكمال ، فعلى الرغم من اتصافنا بالحياة والعلم والإرادة والسمع والبصر فإننا نتفاوت فيها . أما هي عند الله تعالى فبلغت أوج كمالها . وأما صفات الضعف والنقص لدى البشر فمنفية عنه عز وجل نفيا مطلقا . وهذا يفسّر أن البينونة بين الذات الإلهية وغيرها من الذوات أساس المدح ، لذلك أضاف القاضي عبد الجبار : « أن المدح إنما يقع لما تقع به البينونة بينه وبين غيره من الذوات . والبينونة لا تقع إلا بما نقوله لأن الذوات على أقسام : منها ما يرى ويرى كالواحد منا ، ومنها ما لا يرى ولا يرى كالمعدومات ، ومنها ما يرى ولا يرى كالجماد ، ومنها ما لا يرى ويرى كالقديم سبحانه وتعالى » « 2 » . ولقد تمسك المعتزلة في قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [ الأنعام : 103 ] بالمعنى اللفظي للنفي العام الذي أخذوه دليلا على ما ذهبوا إليه
--> ( 1 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص ، 164 وكذا أمالي المرتضى ، ج 1 ، ص 22 . ( 2 ) م ن ، ج 1 ، ص ، 165 وأمالي المرتضى ، ج 1 ، ص 22 ، قال المرتضى : « تمدّح الله تعالى بنفي الرؤية عنه وبإثباتها له ولا يشاركه في هاتين الصفتين مشارك » . وانظر د . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 192 - ، 193 ود . علي عبد الفتاح المغربي ، الفرق الكلامية الإسلامية ، ص 298